ألو الناجي بناجي..

مدير جريدة البلاد الأخرى حاتم قسيمي يكتب

عن تجربة الفنان الناجي بناجي

hatim1.jpg


منذ سنين وأنا أراقبه، أتلصص على حكاياته ورسوماته. كان لقائي به أول مرة وأنا أتحسس طريقي إلى صاحبة الجلالة على طريقة "براي" بصحيفة "المستقل" سنة 2000، بعدها ستتعزز صداقتنا أكثر فأكثر وستكبر مع الأيام والسنين..
الناجي بالناجي كاريكاتوريست استثنائي بكل المقاييس، فقد بنى معمارا للفن الكاريكاتوري بالمغرب لم يستطع إله غيره سبيلا. كيف ذلك، إضافة إلى مساره في رسم الكاريكاتوري، فالرجل فعل كل شئ من أجل عيون "حنظلة". أسس جمعية للكاريكاتوريين، وشيد مهرجانا عالميا لهذا الفن، ينظم سنويا، وعاد إلى ذاكرة الفن الكاريكاتوري بإحياء تراث عدد من الكاريكاتوريين التاريخيين كحمودة، الذي عمل معه بجريدة الاتحاد الاشتراكي، وحمودة لمن لايعرفه، فهو "حجازي" الفن الكاريكاتوري بالمغرب.
الناجي، يعلم أنه يحفر في بئر منبوذ، ف "الكاريكاتور حرام" في نظر السلطة، وكل الأنظمة تهابه، ولعل ذلك ما جعل باحثا هو إبراهيم الحيسن يعنون كتابه ب"الكاريكاتير في المغرب: السّخرية على محكّ الممنوع".
الكاريكاتير يا سادة، ليس وسيلة، وأداة لإنتاج الضحك والفكاهة، فحسب، بل مشعل إصلاحي واحتجاجي ضد الأوضاع والحكومات والأنظمة.. يعري الواقع ليكشف مكامن الخلل، ويدعونا إلى أن نفتح عيوننا وعقولنا على الحقيقة. فنّ مشاكس وعنيد، يجسد السّخرية الأيقونية، من حيث هي مجموعة من الخطوط والأشكال والألوان، يستعين بها الفنّان الساخر بهدف التعبير عن موضوع معيّن، أو قضية ما، بأساليب فنّية لا تخلو من تهكّم وسخرية، كما تعتبر هذه السّخرية نمطاً تعبيرياً يتماشى مع ذوق العامّة ويعبّر عن انشغالات النّاس وهمومهم اليومية، مثلما تُعدّ مجالاً جمالياً يجد فيه المتلقّي تنفيساً لرغبات مكبوتة ومُصادَرة اجتماعياً ودينياً وسياسياً.
ارتبط تاريخ هذا الفنّ بتجربة الرسامين الرواد، وما تلاهم من رسّامين ومبدعين حملوا لواء الكاريكاتير في ظروف سياسية صعبة، مع تباين في الصيغ والمعالجة والتعبير، كما ظهرت صحافة الكاريكاتير في المغرب سواء منها الصحف الساخرة الرائدة (أخبار الدنيا، الكواليس، أخبار السوق، التقشاب، الأسبوع الضاحك، أخبار الفن...).
استطاع فنّ الكاريكاتير، على امتداد مراحل الصراع في المجتمع الإنساني، أن يعالج كثيراً من مظاهر "الحمق" وضروب الظّلم وتقويم السلبيات، وأن يملأ بالابتسامات قلوب الملايين من الناس. ووفقاً لذلك، يعدّ الكاريكاتير وسيلة للإفصاح عن المسكوت عنه وتعرية التابوهات الّتي تبتكرها السلطة الحاكمة، بل هو خطاب ساخر في شكله وفاعل في محتواه، وقادر على توعية الشعب وتقريب المشكلات والحلول من الأذهان. لهذا، يعتبر الكاريكاتير في المجتمعات المتقدمة تيرمومتراً دقيقاً لقياس درجة حرارة الديموقراطية، بينما نجد المجتمعات التي لا ديموقراطية فيها ما زالت تعتبر الرسوم الكاريكاتيرية ضرباً من الممنوعات الّتي يجب مصادرتها.
الناجي بالناجي، أسس أيضا لأول موقع إلكتروني خاص بالكاريكاتير، وأطلق عليه إسم "بيه فيه"، ثم بعدها أطلق "عرب تون"، وهو الكاريكاتيريست المغربي الذي يعمل بلجان جوائز ومسابقات عالمية للكاريكاتير.. سافر مع رسوماته جل بقاع العالم.. والجوائز التي حصدها وحملها مرة على الفايسبوك تسببت في تعطيل صبيب الأنترنت لساعات.
وهو مثل الأخطبوط، يده على "الطابليت" بمنزله بالمحمدية، ورسوماته في كل مكان، مؤسسات صحفية وصفحات فايسبوكية وعلى التويتر، وربما وصلت رسوماته أيضا إلى البيت الأبيض، وقصر بيرمينهام.
هاذئ وحكيم، معجب بالدب الروسي والغول الصيني، متدين، وله رؤية وتفسيرعميقين للأحداث، له ذكريات –عفوا- مغامرات مع شخصيات "محترمة جدا جدا" منهم من أصبح وزيرا وآخرين "كيحكمو" بتعبير ولاد الشعب. وأضف إلى علمك عزيزي القارئ، هذا الرجل، هو من أدخل "الفوطوشوب" إلى الكاريكاتور في التسعينيات في الوقت الذي كان كل زملاؤه يستعملون الأقلام الملونة، وعندما وصلوا هم إلى الأقلام الملونة، كان يخربش في تطبيقات وبرامج أفلام الكرتون و"والكالك".
الناجي، هو عضو هيئة تحرير "البلاد الأخرى"، ويتمتع بجميع حقوقه الاجتماعية بها، وحاصل على بطاقة مهنية باسمها، وصديق وأخ عزيز جدا..
الناجي متهم اليوم بأنه أقام دنيا الكاريكاتور في المغرب وأحيى تراثا ثقافيا وصحفيا كاد يخبو.
وإذا كان جليلي قد حوكم بالإعدام من طرف الكنسية والخليفة المنصور "حرق" إبن رشد والحاكم المدني لغرناطة أعدم الشاعر لوركا رميا بالرصاص فإن صاحبنا يرتكب أعظم الجرائم في حق النظام ويهدد سلامة الراجلين على الطريق العام ومتهم بفك شيفرة "إنيغما" النازية.. إنه رسام سيذهب إلى النار. بكل تأكيد، فجرائمه في الأرض لاتحصى..
حاتم قسيمي


الصفحة مقروءة: 285 مرة


التعليقات